Sunday, November 19, 2006

عطر البرتقال الأخضر..

ف
في مشهد روائي شديد الأهمية و الصدق
تسأل "سحر بدوي"- الباحثة في أحد المراكز البحثية- الروائي "يوسف البحراوي"- المعتزل للحياة و موضوع البحث الذي تقوم به- هل يستطيع الإنسان أن يعوض ما فرط فيه من قبل؟علّ هذا السؤال الجوهري الهام في بداية رواية "عطر البرتقال الأخضر" للروائي "شريف حتاتة" يمثل لنا حجر الأساس و المفتاح الرئيس الذي تبنى عليه هذه الرواية، و الذي نستطيع من خلاله دخول هذا العالم الروائي العريض و الثري الذي اختاره الروائي لروايته، بل إن هذا التساؤل الهام لا بد أن ينسحب خارج حدود الرواية كي يفرض نفسه بالتالي كتساؤل جوهري على قارئها و من ثم نوجهه نحن أيضا لذواتنا؛ لاسيما أننا إذا لم نستطع الإجابة على مثل هذا التساؤل الخطير، لابد أن تكون المحصلة النهائية لحياتنا هو أن نحبس أنفسنا داخل الماضي الذي لا يفتأ يضغط علينا بشكل سادي لينتهي بنا الأمر في النهاية إلى الاستسلام له، علّ هذا الاستسلام يكون وسيلة من وسائل التطهر مما اقترفناه بأنفسنا و بالآخرين، إلا أننا إذا ما وصلنا إلى مثل هذه الحالة الكابوسية لابد أن يؤدي هذا بنا بالضرورة إلى صنع العديد من العوالم الافتراضية الموازية للواقع، و بالتالي يكون ذلك سبيلا للخروج تماما من الحياة إلى حياة أخرى لا معنى لها سوى الوحدة و العدم مثلما حدث تماما مع الروائي "يوسف البحراوي" بطل هذه الرواية و الذي ظل يعيش دائما في عطر ذكرى ماضيه لتكون هذه الرواية "عطر البرتقال الأخضر" أو عطر الماضي الذي لا ينتهي، بل يظل يطارده إلى أن يقضي على ما تبقى من حياته.و لعل ما يؤكد مثل هذه النظرة انتهاء الرواية بذات السؤال الذي وجهته له "سحر بدوي" حينما قالت ( هناك سؤال وجهته إليك في أول لقاء لكنك لم ترد عليه أبدا، هل يستطيع الإنسان أن يعوض ما فرط فيه من قبل؟).مثل هذا التساؤل الذي ابتدأت و من ثم انتهت به الرواية لابد أن يستدعي بالضرورة العديد من التساؤلات و التأملات و المشاهدات و الأحداث الهامة التي زخرت بها هذه الرواية في أسلوب روائي رشيق و محكم، مع الاهتمام باستخدام تقنيات سردية و روائية هامة، حرص من خلالها الروائي "شريف حتاتة" على رصد الكثير من التفاصيل التي زخرت بها فترة الحكي المصاحبة لفترة السبعينيات.عرض الرواية: و لأن الدخول إلى العالم الروائي لهذه الرواية يستدعي بالضرورة التعرف على أجوائها؛ فسوف نحاول عرضها عرضا سريعا لنرى "يوسف البحراوي" الروائي الذي اختار اعتزال الحياة الثقافية، بل و الحياة العامة أيضا لأسباب مجهولة، إلا أن هذه الأسباب ستتكشف لنا رويدا من خلال ثنايا الحكي الروائي حينما تحاول إحدى الباحثات "سحر بدوي" إقحام نفسها على حياته الخاصة نظرا لأنها تعد بحثا لنيل درجة الدكتوراه عن حياة الكتّاب و الروائيين، و بالرغم من إعراضه عن التعاون معها في البداية إلا أنها تظل تحاول معه كي يرضخ لرغبتها في نهاية الأمر و من ثم يبدأ يحكي لها نظرا( لأن أسئلتك أعادتني إلى الحكي، و في الحكي معك أجد متعة لم أعرفها منذ سنين) كما يقول هو، و هنا تبدأ شخصيات الرواية في التكشف لنا، سواء من خلال الحكي "لسحر بدوي" أو من خلال التذكر و الحياة داخل دائرة الذكرى القاتلة التي باتت تمثل له حياة داخل الحياة الواقعية التي يحياها، فنعرف أنه كان مصابا بأحد الفيروسات الكامنة في الكبد و أن صديقه الصحفي الدكتور "حلمي طرخان" الحاصل على الدكتوراه من روسيا يسعى لمساعدته في العلاج على نفقة الجريدة حينما يعمل على إعارته "لمؤسسة الدراسات الاشتراكية" في "براغ" كوسيلة لتغطية نفقات العلاج، ثم لا يلبث أن ينقلنا إلى اشتراكه في المظاهرات التي وقعت حينما قررت حكومة السادات رفع الأسعار في السبعينيات و من ثم يتعرف في تلك الليلة على "سحر العمري" التي تعد لرسالة دكتوراه في علم النفس بالإضافة إلى كونها عازفة عود مع إحدى الفرق الموسيقية و التي ستصبح فيما بعد زوجته، و يحاول صديقه القديم "حلمي طرخان" الاتصال به بعد فترة طويلة من الغياب لأنه قام بإصدار جريدة يومية و من ثم يحتاجه معه للكتابة فيها؛ فيذهب إليه في مكتبه و هناك يتعرف على "نرمين الصباغ" التي يصفها بقوله( امرأة بعينين خضراوين و جسد أبيض خلق للجنس) و بالفعل يقع في حبائل كل من "نرمين الصباغ"، "حلمي طرخان" اللذين يتخذانه كوسيلة للاشتراك في لعبة سياسية و منافع متبادلة بينهم و بين السلطة لا مصلحة له فيها، إلا أنه يكتشف ذلك بعد فوات الأوان بالرغم من تحذير زوجته الدائم له، لكنه لا يكتشف ذلك إلا بعد أن يكون اهتمامه الدائم "بنرمين الصباغ" و إهماله لزوجته سببا أساسيا في انهيار حياته الزوجية و من ثم لا ينتبه لإرهاصات و مقدمات إصابة زوجته بسرطان الثدي؛ فيكون ذلك الموقف سببا في مراجعة أوراقه و بالتالي يستقيل من جريدته و يكتشف أنه كان سببا- سواء من قريب أو بعيد- في مرض زوجته كما أخبره الدكتور الهولندي "برتس والدنباخ" حينما أكد له أن هناك علاقة وثيقة بين الحالة النفسية و الإصابة بمرض السرطان، و نظرا لأن المرض و آلامه اشتدت على زوجته و بالتالي لم تعد تهدأ سوى بالمسكنات القوية، و نظرا لأنها ألحت عليه كثيرا في إعطائها جرعة كبيرة من المخدر كي تنهي بها حياتها و بالتالي آلامها، فانه يرضخ لذلك و يتفق مع الطبيب الهولندي الذي ينهي الأمر، إلا أنه يظل ما تبقى له من العمر يحيا أسيرا للذنب نظرا لأنه يرى أنه السبب الرئيس في قتلها، ليس لكونه حقنها بالمخدر و لكن لأنه يرى كونه السبب في إصابتها بالسرطان، و لكن بالرغم من دخول "سحر بدوي" إلى حياته و محاولة إخراجه مما هو فيه إلا أنها تفشل؛ و بالتالي يظل حبيسا لماضيه الذي يستخدمه كأداة تطهيرية لما يشعر به من ذنب تجاه زوجته.تحولات سياسية و اجتماعية: نظرا للخبث السياسي اضطراب الرؤية في بعض الأحيان لدى الرئيس الراحل "السادات" حينما حاول ضرب التيارات الأيدلوجية ببعضها البعض و من ثم محاولته التحالف- و لو ضمنيا- و الوقوف إلى جانب المد الديني الممثل في الجماعات الإسلامية في مقابل ضرب الاتجاه الاشتراكي و المد الشيوعي الذي بدأت شوكته في التعاظم، و من ثم كانت النتيجة ازدياد نفوذ هذا التيار الديني و تعاظمه، إلى أن انقلب على السادات نفسه، أو كما نقول( انقلب السحر على الساحر)، و لأن هذه الأحداث و غيرها تآزرت مع بعضها البعض في فترة تحول اجتماعية و سياسية هامة ميزت عمر هذه المرحلة؛ فلقد حرص الروائي "شريف حتاتة" من خلال روايته على رصد الكثير من هذه التحولات الاجتماعية و السياسية الخطيرة، فيسوق لنا بذكاء موقفه مع ابن عمه- ضابط الجيش الذي تم الاستغناء عنه بسبب زوجته الأمريكية و انتماؤه لإحدى الجماعات- حينما يقول له موبخا( ما أصابك سببه الكلام الشاذ الذي دأبت على كتابته في المجلة الملعونة التي تنشر فيها يومياتك، اتق الله يا أخي وارجع عما أنت فيه، خذ معك بعض التواشيح ستدخل على قلبك السلام و تعدك للقاء ربك، فهذا هو مصيرنا جميعا) في تفسير غيبي لسبب مرض" يوسف البحراوي" و كأنه يريد القول لو رجعت إلى الله لما أصابك هذا المرض!كما يرصد لقاء السادات "ببيجين" بشكل فيه الكثير من الذكاء و الخبث الروائي حينما يحرص على عدم عرض وجهة نظر المثقفين و موقفهم إزاء ما حدث، بل يعرض الأمر من خلال وجهة نظر رجل الشارع العادي الذي يفتقر إلى الكثير من الاحاطة بالأمور و بالتالي يفسر الموقف تبعا لأهوائه و احتياجاته الخاصة حيث يقول له بائع الجرائد( نهارك فل يا باشا، جرنانك أهه شايلهولك قبل ما يخلص، دا النهاردة يوم مفترج، من هنا و رايح مفيش حرب، حنخلص من الفلسطينيين ولاد الكلب دول اللي صرفنا عليهم دم قلبنا، و اللا إيه رأيك يا أستاذ؟) في إسقاط على التفكير البسيط للعوام الذين لا يبغون سوى الانتهاء فقط من شبح الحرب، و الذين يتم تشكيل ثقافتهم الخاصة من خلال الإعلام الحكومي الكاذب حتى و لو كان ذلك بالسلام مع إسرائيل أو عقد اتفاقية كامب ديفيد.إلا أن أهم ما رصده "شريف حتاتة" من وجهة نظرنا كانت لعبة الفساد السياسي التي ما زالت مستمرة حتى وقتنا الراهن و كأنه يريد القول أنه بالرغم من بداية هذه اللعبة القذرة في السبعينيات إلا أنها ما زالت تمتد مستفحلة إلى أن صارت بشكلها الكريه الذي نراه الآن من تحول جميع الأحزاب و التيارات الأخرى بلا استثناء إلى أبواق و توابع للسلطة و أصحاب مصالح متبادلة مع الحكم في لعبة مهينة تتم ممارستها على رجل الشارع العادي و البسيط الذي لا يفهم ما يدور حوله و لذا نرى "حلمي طرخان" في مكالمة هاتفية يقول( يا فندم النقد الذي ينشر في الجريدة موضوعي و محسوب، فهو لا يمس النظام في جوهره، انه يهدف فقط إلى جعله أكثر قدرة على التكيف مع الظروف العالمية الجديدة) ثم يقول ( لا يا باشا مستحيل، حاضر سنبحث الموضوع لنجد له توليفة ترضيك) كي يثبت لنا أن ما يكتب في الصحف مجرد رتوش و تجميل للعبة التي تتم ممارستها يوميا في الكثير من الأحزاب و الصحف، و لذلك نرى "حلمي طرخان" صاحب جريدة "البراري" يتحول فجأة من مناضل يساري إلى رأسمالي ضخم يمتلك جريدة يومية كبيرة، و مبنى ضخما يساهم فيه بنسبة كبيرة و يدعي أنه مدافع عن الحرية و الديمقراطية و ما إلى ذلك من تلك المفاهيم التي يهتم بها اليسار، و لذا تتساءل "سحر العمري"( لست سياسية، لكن ما شأن رجل رأسمالي كبير بالحرية و الديمقراطية الحقيقية؟) و بالتالي نراها تشعر بالقلق من كون وجود لعبة سياسية قذرة يتم فيها استخدام اسم زوجها فتقول له ذات مرة( قلت لك أنني لا أفهم في السياسة، لكنني أشعر أن ما كتبته جزء من شئ يخطط له دون أن تدري) لكنه لا يصدق قولها و إن كان يبدأ في الإحساس بصدقه من خلال الكثير من التلميحات، منها قول "نرمين الصباغ"( ستتعود يا عزيزي على الكتابة بسرعة، لكن بشرط أن لا تغضب من لا يجب إغضابهم) إلى أن يتم اغتيال السادات بعد أن قام بكتابة سلسلة طويلة من المقالات الساخنة و التي دفعه إليها "حلمي طرخان" بعد قيام السادات بحركة الاعتقالات الواسعة، و بالتالي تتكشف أمامه أصول اللعبة التي تم استخدامه فيها فيقدم استقالته قائلا "لسحر العمري"( كنت على حق، هناك لعبة قذرة كنت جزءا فيها، و الآن لا أريد أن أستمر).مستويات لغوية متنوعة: ثمة ملاحظة هامة لافتة للنظر نراها في تلك الرواية، و هي قدرة الروائي "شريف حتاتة" على استخدام اللغة بمستويات مختلفة و ذكاء فني و حرفية بالغة لاسيما لغة الحوار، فنراه حينما يكون الحوار بين مجموعة من المثقفين يكون الحديث بينهم بلغة المثقفين العادية البسيطة الدارجة دون استخدام الفصحى المتقعرة أو المهجور من الألفاظ، و بالمقابل حينما يكون الحوار مع الآخرين يتبسط تماما ليستخدم لغتهم العادية، نلاحظ ذلك في حوار "يوسف البحراوي" مع سائق التاكسي أو بائع الجرائد، كما توجد ملاحظة أخرى توقفت أمامها كثيرا لأهميتها البالغة و من ثم أعدت قراءة العبارة أكثر من مرة، و هي قدرة الروائي على استخدام اللغة بشكلها الوصفي الدقيق بصورة شاعرية حتى لكأنه يفجر ما تحمله المترادفات من صور لنراها رؤية العين حين قراءتنا لها و كأنها شريط سينما يمر أمام أعيننا حينما يقول( توقف عن السير فجأة و استدار ليواجهها، ظلا واقفين و الناس يمرون من حولهما كالماء حول جزيرة صغيرة في النيل) و لعلنا نلاحظ من خلال هذه الجملة قدرته التصويرية الفائقة، إلا أن الملاحظة الأهم تمثلت في كون الرواية شديدة التركيز؛ فلم نر أية تزيدات أو ترهلات و بالتالي إذا ما قمنا بحذف كلمة واحدة منها فهي بالتأكيد تخل ببناء الرواية، إلا أنه بالرغم من هذا التركيز تساءلنا كثيرا لما حرص الروائي "شريف حتاتة" و من ثم أصر على جعل أم "يوسف البحراوي" أيرلندية و ذكر ذلك أكثر من مرة داخل الرواية، بالرغم من أن ذلك لم يفد السرد الروائي في شئ على الإطلاق؟رواية تستفيد بأسلوب السرد السينمائي: علّ أهم ما يلفت النظر في رواية "عطر البرتقال الأخضر" و الذي يعد بمثابة التميز الحقيقي من وجهة نظر خاصة، هو استفادتها كثيرا بأسلوب السرد السينمائي و استعارة تقنياته الخاصة، حتى أنها أوحت لي أثناء القراءة و كأنني أشاهد أحد العروض السينمائية أو كأن الرواية قد كتبت خصيصا للسينما و بلغة سينمائية خاصة، و إذا كان الناقد الفرنسي الإيطالي الأصل "ريتشيودو كانودو" كان أول من أطلق على السينما "الفن السابع" نظرا لأنها احتوت جميع الفنون السابقة عليها عام1923 ، فنحن نرى أن استفادة الفن الروائي اليوم- و الذي نراه بشكل كبير في الكثير من الروايات الصادرة مؤخرا- من تقنيات السينما و لغتها الخاصة إنما هو تأكيد لمصداقية مثل هذا القول؛ فلقد حر الروائي "شريف حتاتة"- سواء كان متعمدا ذلك أم لا- على استخدام اللغة السينمائية كثيرا في روايته، فاستفاد أيما استفادة من أسلوب "المونتاج" حيث القطع المفاجئ من مشهد لآخر، و إعادة ترتيب المشاهد تبعا لأهميتها في السرد الروائي، بل و أظن في حذف ما رآه غير ضروري في سياق الرواية، فنراه متحدثا مع "حلمي طرخان" في الجريدة ليقول حلمي( أريد أن تثق في كلامي، ما أقدمت على هذه الخطوة ما لم أكن متأكدا من العواقب، بعد قليل لن تكون صوتا منفردا، نحن مقدمين على مرحلة جديدة) و في السطر التالي مباشرة( كانت الساعة قد قاربت الثانية صباحا عندما عاد إلى البيت.....) بدون وجود أية فواصل أو مقدمات أو إشارات إلى كونه انتقل من مشهد لآخر أو مكان لآخر، و هكذا سار على طول الرواية، كما نراه يستخدم كثيرا تقنية الفلاش باكflash back طوال مدة السرد الروائي حتى أننا نستطيع القول أن الرواية مبنية في الأساس اعتمادا على هذه التقنية، و لولاها لما استطاع الروائي تقديم مثل هذا السرد الجميل، و لما استطعنا معرفة السبب في أزمته التي يعاني منها، و لذلك نراه أحيانا يستخدم الفلاش باك بشكل معقد و متداخل- أي فلاش داخل فلاش- ففي الفصل الثاني يتحدث عن ذكراه مع "سحر العمري" و كيف أن صوتها يأتيه في كل مكان، ثم لا يلبث الانتقال إلى أول ليلة تعرف عليها فيها، لينتقل من ذلك إلى ذكرى علاجه في مصحة "كارلوفي فاري" ببراغ، ليخرج من هذا إلى ذكرى وفاة والدته، ثم ذكراه مع "سحر العمري" حينما قرأت يومياته عن والدته و انتقدته في ذلك، و فجأة يعود من كل هذه الفلاشات باكات المتداخلة كالشبكة العنكبوتية إلى حيث بدأ و تعرفه على "سحر العمري" في أول لقاء بينهما، و لعل هذا الأسلوب المتداخل في السرد يحتاج إلى تركيز شديد من القارئ نظرا لعدم وجود علامات فاصلة أو إشارات لانتقاله من ذكرى إلى أخرى، كذلك يستفيد "شريف حتاتة" مما نسميه في السينما "تحليل المرئيات" و هو ما يتشابه إلى حد ما مع ما يسمى بالوصف في الرواية و التقاط التفاصيل، فنراه يقول( على الرخام الأسود للمنضدة، انتصبت أنية فخارية فيها زهور ابتاعها قبل يومين من صبي صغير وقف بها في الشارع أمام "السوبر ماركت"، سقطت أوراقها البرتقالية اللون فصارت تتفرس فيه بعيونها الصامتة) كما نراه يلتقط أمورا صغيرة مثل( حول عينيها لمح دائرتين من السواد المشوب بزرقة كأنها سهرت الليل) و ما إلى ذلك من التفاصيل التي أفادت السرد الروائي كثيرا.العالم الافتراضي و الخداع السردي الروائي: ثمة تساؤل هام لابد أن يفرض نفسه علينا كلما استرسلنا في قراءة رواية "عطر البرتقال الأخضر"، حتى إذا ما وصلنا إلى الصفحة الأخيرة منها تحول هذا التساؤل إلى علامة استفهام ضخمة في حاجة ماسة إلى الإجابة عليها، ألا و هو، هل هذا العالم الذي قدمته لنا الرواية عالما واقعيا حقيقيا ملموسا؟ أو بمعنى آخر، هل هناك وجود فعلي وواقعي "لسحر بدوي" الباحثة التي أقحمت نفسها على عالم الروائي "يوسف البحراوي"؟ أم أن الأمر لا يعدو أكثر من مجرد عالم افتراضي وهمي زائف تخيله "يوسف البحراوي" و من ثم صدقه و عاش فيه نتيجة ضغط الذكرى و الإحساس بالذنب؛ و من ثم كان هذا العالم الافتراضي هو البديل الوحيد له للخروج من أزمته بدلا من الضياع وسط غياهب الجنون الذي لا بد سيصيبه لو لم يتخلص من فرط إحساسه بالذنب؟و حتى لا نطلق الأسئلة و الأحكام جزافا دعنا نتأمل العالم الروائي الذي قدمه "شريف حتاتة" لنتأكد من صدق ما ذهبنا إليه، يقول "يوسف البحراوي" في بداية سرده( عند الساعة الحادية عشرة و النصف تماما سيتوجه إلى الحمّام ليغتسل، و يدعك أسنانه بالفرشاة و المعجون، ثم سيرقد على السرير و يمد يده باحثا عن يدها في الظلام) لاحظ هنا أن "سحر العمري" التي يبحث عن يدها في الظلام غير موجودة أساسا لأنها قد ماتت، إذن فهو يعيش في الذكرى التي لا تنتهي، ثم لا يلبث أن يقدم لنا شخصية "سحر بدوي" الباحثة في أحد مراكز البحوث، و التي تتصل به لإجراء لقاء معه فيكون اسمها "سحر" أيضا مثل زوجته الراحلة، ثم نلاحظ قولها له( أتعرف، أنا مثل المرأة التي وصفتها في روايتك، أعشق غرس أسناني في قشرة البرتقال الأخضر) و سنعرف فيما بعد أن زوجته "سحر العمري" كانت تعشق فعل ذلك، نرى كذلك أن "سحر بدوي" تتميز بخصلة بيضاء تتخلل شعرها الأسود، و هذا ما لفت نظره إليها و هي بذلك تشترك مع زوجته في ذات الأمر، و كلتاهما كانتا في كلية الآداب و تعدان لرسالة الدكتوراه، و كلتاهما أيضا تحرصان على حمل حقيبة من الخوص، كما أن "سحر العمري" زوجته كانت تعد رسالة الدكتوراه الخاصة بها عن النساء اللائي يقتلن الرجال و حينما سألها عن سبب اختيارها لمثل هذا الموضوع الغريب ترد عليه( لأنه في يوم من الأيام كدت أن أرفع سكينا لأقتل أحد الرجال) بينما نرى "سحر بدوي" متذكرة من خلال السرد( ترى وجه صاحب المصنع يوم أن غرست السكين في يده، امتدت ليتحسس ما بين ساقيها)، كما أن كلتاهما كانت تعشق أكل الفطير المشلتت و لذلك كان "يوسف البحراوي" يتأمل "سحر بدوي" دائما حينما يراها تأكله، و في مرة من المرات يسألها( هل تعزفين على العود؟) حيث كانت زوجته عازفة على العود، إلا أن "سحر بدوي" تعزف على آلة أخرى، و لكن المهم أن كلتاهما لهما اهتمام بالعزف على آلة وترية، كما أن كلتاهما لا تحب وضع مساحيق التجميل على الوجه، و غير ذلك الكثير من التشابهات و الدلالات التي تدل على تماهي الشخصيتين اللتين قدمتهما الرواية إلى حد التطابق أحيانا، حتى أننا قد لا نستطيع الفصل بين هذه و تلك، و لعل ما يؤكد لنا ذلك قوله( لماذا يحتفظ بذكريات إذا نسيها سيستريح، ذكريات حولت حياته إلى صور تصعد إلى ذهنه من جبها العميق ليعيش في كابوس أصبح أسيره؟) كما أن الرواية تنتهي باختفاء/رحيل "سحر بدوي" حينما تتركه بعد أن سألته سؤالها الذي وجهته له في أول لقاء بينهما( ظل واقفا حيث هو إلى أن اختفت داخل المصعد فاستدار و فتح الصندوق ليخرج البريد المتراكم فيه ثم خطا داخل الشقة و تردد في الصمت صوت الباب بغلق).و هكذا يتبن لنا نجاح الروائي "شريف حتاتة" في تقديم رواية هامة تستحق الكثير من التأمل نظرا لما بها الكثير من التقنيات الهامة و الحالة الروائية الجميلة التي حاول من خلالها القول كيف أن ضغط الذكرى و الشعور بالذنب من الممكن أن يتحول بصاحبه إلى حالة تطهيرية ، حتى لو تحول به الأمر إلى خلق عالم آخر لا وجود له، إلا أن الشكر الحقيقي لابد أن يوجه إلى دار الهلال التي حرصت على تقديم مثل هذا العمل الروائي الجميل

No comments: